مستقبل شركات التكنولوجيا المالية: التحديات والفرص وآفاق النمو

مستقبل شركات التكنولوجيا المالية: التحديات والفرص وآفاق النمو

علي بيلون المدير العام الإقليمي لشركة Visa فِي المملكة العربية السعودية والبحرين وعُمان


يشهد الاقتصاد الرقمي فِي منطقة دول مجلس التعاون الخليجي نمواً متسارعاً مدفوعاً بالمبادرات الحكومية، والدعم التنظيمي، وتنامي اعتماد المدفوعات الرقمية. وَتُسَاعِدُ شركات التكنولوجيا المالية فِي إرساء ركائز هَذَا التحول مِنْ خِلَالِ تقنياتها المبتكرة الَّتِي تزود المستهلكين والشركات عَلَى حدٍّ سَوَاء بالأدوات اللازمة للاستفادة من مزايا التجارة الرقمية؛ حَيْتُ توفر للمستهلكين من جهة تجارب دفع أكثر مرونة وسلاسة، وَتُسَاعِدُ الشركات من جهة ثانية فِي الوصول إِلَى مجموعة أوسع من الخدمات المالية، وكَذَلِكَ تساعد الاقتصاد فِي نهاية المطاف من جني ثمار الشمول المالي والابتكار المتزايد فِي هَذَا المجال.

ولعبت الحكومات دوراً محورياً فِي دفع عجلة هَذَا التحول. فعلى سبيل المثال، يقدم البنك المركزي السعودي “ساما” ومصرف البحرين المركزي والبنك المركزي العُماني آليات عالية التنظيم لدعم شركات التكنولوجيا المالية، وَذَلِكَ عَلَى شكل بيئات تجريبية ومراكز للتكنولوجيا المالية وغيرها. وَفِي عام 2021، أصدر البنك المركزي السعودي “ساما” إرشاداته لترخيص البنوك الرقمية، الأمر الَّذِي ساهم فِي إرساء مشهد حيوي لِهَذَا القطاع فِي المملكة؛ ويشتمل ذَلِكَ عَلَى محفظة stc pay الَّتِي تحولت مؤخراً إِلَى STC Bank، وَهُوَ بنك رقمي بالكامل؛ ومحفظة urpay الرقمية، الَّتِي أطلقتها شركة Neoleap التابعة لمصرف الراجحي؛ وبنك D360، الَّذِي يخدم الشرائح غير المخدومة مالياً وهم الشباب والشركات الصغيرة والمتوسطة وقطاع الأعمال؛ كَمَا تقدم مصرفية ميم الرقمية وبنك فيجن خدمات مصرفية رقمية للمستهلكين والشركات عَلَى حد سَوَاء.

وأصدر البنك المركزي السعودي فِي ديسمبر 2023 قواعد تنظيم شركات الدفع الآجل (BNPL)، وَالَّتِي حددت متطلبات الترخيص، والحدود الدنيا لرأس المال، وتدابير حماية المستهلك. كَمَا تمَّ اعتماد الخدمات المصرفيّة المفتوحة فِي كافة أنحاء المنطقة، وأصبحت البحرين أول دولة فِي المنطقة تعتمد إطاراً تنظيمياً خاصاً بِهَا، تلتها المملكة العربية السعودية العام الماضي، وَمِنْ المتوقع أن تكشف الإمارات عَنْ قواعدها الخَاصَّة بالخدمات المصرفية المفتوحة قَرِيبًاً.

وساهم الطلب المتنامي عَلَى الحلول المالية البديلة، إِلَى جانب توافر البيئة التنظيمية الداعمة، فِي تعزيز الفرص التمويلية لشركات التكنولوجيا المالية. ونتيجة لِهَذِهِ الجهود، تصدّرت السعودية والإمارات والبحرين كمراكز إقليمية – وَحَتَّى عالمية – لشركات التكنولوجيا المالية. وَقَد عقدت دولة الإمارات 54 صفقة واستثمرت بِقِيمَة 1.3 مليار دولار أمريكي خِلَالَ عام 2023[1]، بَيْنَمَا جمعت المملكة العربية السعودية مَا يقارب مليار دولار[1] من مستثمرين محليين وعالميين، وتأسست فِيهَا شركات – مثل “تابي” و”تمارا” و”أندلسيا لابز” – أصبحت ذات قيمة مليارية (unicorn).

توفر التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين، وَالَّتِي تعد جزءاً من ثورة الويب 3، فرصة استثنائية فِي هَذَا المجال؛ إِذْ يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي وحدها، عَلَى سبيل المثال، أن توفر قيمة حقيقية تصل إِلَى 150 مليار دولار أمريكي فِي اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي[2]. وتتصدر المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات حالات استخدام هَذِهِ التقنيات فِي مجالات الألعاب والنقل والمدفوعات وغيرها. وأنشأت الحكومة السعودية الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (​سدايا) فِي عام 2019 لتكون الجهة الوَطَنِية المعنية بِالإِشْرَافِ عَلَى الأبحاث والابتكار والتشغيل فِي قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي. كَمَا خصصت المملكة أكثر من 100 مليار دولار لِضَمَانِ بقاءها فِي طليعة موجة الذكاء الاصطناعي، وتتنوع استثماراتها فِي هَذَا المجال بَيْنَ أجهزة الذكاء الاصطناعي وسبل دمجها فِي مستويات نظام التَّعْلِيم[4].

مَعَ ذَلِكَ، لَا تَزَالُ شركات التكنولوجيا المالية تواجه العديد من التحديات الَّتِي قَد تعرقل نموها وتحد من القيمة الَّتِي يمكن أن تقدمها للأفراد والاقتصادات. وَقَد ساهم بحثنا الأَخِير الَّذِي أجريناه فِي دول مجلس التعاون الخليجي فِي تحديد التوجهات الناشئة الَّتِي يَتَعَيَّنُ عَلَى المنظومة الأوسع معالجتها بهدف تعزيز الإمكانات الَّتِي تقدمها شركات التكنولوجيا المالية للمستهلكين والشركات والاقتصاد عموماً.

وَلَا شَکَّ أن المنافسة العالمية عَلَى اجتذاب المواهب التقنية تعتبر واحدة مِنْ أَكْبَرِهَذِهِ التحديات؛ ذَلِكَ أن الطلب الكبير عَلَى المهنيين المتمرسين وارتفاع تكلفة المعيشة نسبياً يجعلان من اجتذاب المواهب أمراً مكلفاً نوعاً مَا، مِمَّا يعيق بدوره نمو شركات التكنولوجيا المالية. فَفِي المملكة العربية السعودية، وكجزء من رؤية المملكة 2030، تستثمر الحكومة بِشَكْل کَبِير فِي تدريب المهارات الرقمية والتقنية لِتَعْزِيزِ رصيد المواهب المحلية.

وَمِنْ التوجهات المهمة الأخرى الَّتِي ترسم مشهد التكنولوجيا المالية الوصول إِلَى أنظمة الدفع الأساسية الَّتِي كَانَت مقتصرة سابقاً عَلَى البنوك وشركات الصرافة؛ إِذْ يفتح ذَلِكَ لشركات التكنولوجيا المالية العديد من مصادر الإيرادات مثل الرسوم وطرح الأسهم والصرف الأجنبي والبيانات. وبذلك أصبحت المدفوعات مجال تركيز رئيسي للعديد من شركات التكنولوجيا المالية مَعَ ظهور محافظ رقمية كبيرة من قطاع الاتصالات. كَمَا يشهد السوق عروضاً متنوعة – بِمَا فِيهَا حلول “اشتر الآن، وادفع لَاحِقًاً” (BNPL)، والتمويل الشخصي، والأصول الافتراضية – تبشر بعصر جديد للابتكار فِي القطاع المالي.

وَمِنْ بَيْنَ التحديات الأخرى أيضًاً طبيعة عمليات التكنولوجيا المالية العابرة للحدود؛ ذَلِكَ أن المصالح التجارية تمتد فِي كثير من الأحيان إِلَى مناطق جغرافية عدة عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولذلك يَتَعَيَّنُ عَلَى شركات التكنولوجيا المالية اجتياز مجموعة متنوعة ومعقدة من التراخيص واللوائح التنظيمية الخَاصَّة بِكُلِّ دولة، وَيُشَكِّلُ ذَلِكَ بطبيعة الحال فرصة مهمة أَمَامَ الهيئات التنظيمية فِي المنطقة لِمُوَاكَبَة متطلبات أصحاب المصلحة فِي هَذِهِ المنظومة.

فِي نهاية المطاف، ثمة توجه متنامٍ بَيْنَ شركات التكنولوجيا المالية للبحث عَنْ شركاء يمكنهم تَوْفِير المزيد من التَّوجِيه والدعم فِي مجال البنية التحتية والاستثمارات. وهذا يعكس الدور الحيوي الَّذِي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص فِي تعزيز مساعي الحكومة لإرساء بيئة محفزة تسمح لشركات التكنولوجيا المالية بالتطور والنمو. وَعَلَى سبيل المثال، قدمت Visa دعماً استثنائياً لِهَذِهِ الشركات المحلية مِنْ خِلَالِ مبادرات متعددة من بينها مبادرة “Visa فِي كل مكان” لعام 2024 الَّتِي تَشْمَلُ السعودية والبحرين وعُمان، وَالَّتِي توفر للشركات الناشئة فِي هَذَا المجال فرصة لعرض حلولها المبتكرة عَلَى الصعيد العالمي والحصول عَلَى التمويل اللازم لدعم تكاليف التطوير والعمليات التشغيلية.

وتتمتع شركات التكنولوجيا المالية بالقدرة عَلَى تَقْدِيم فوائد اجتماعية عَلَى نطاق أوسع لكافة الأسواق الَّتِي تعمل بِهَا، خُصُوصًاً عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأمر بِتَوْفِيرِ الخدمات المالية للفئات الَّتِي لَمْ يسبق لَهَا استخدام هَذِهِ الخدمات من قبل، وكَذَلِكَ تَقْدِيم الدعم اللازم للشركات خِلَالَ عملية تحولها الرقمي. وَمِنْ هُنَا تنبع أهمية دعم شركات التكنولوجيا المالية خِلَالَ رحلة نموها وتطورها، فنحن عَلَى أعتاب مستقبل واعد للجميع فِي كل مكان، ولكنه مستقبل مرهون بالتعاون الوثيق بَيْنَ جميع أصحاب المصلحة.

[1]

https://www.edgemiddleeast.com/industry/fintech-companies-in-ksa-raised-1-bn-by-end-of-2023#:~:text=The%20number%20of%20fintech%20companies,from%20local%20and%20global%20investors

[2]

https://www.mckinsey.com/capabilities/mckinsey-digital/our-insights/the-state-of-ai-in-gcc-countries-and-how-to-overcome-adoption-challenges

[4]

Saudi Arabia’s $100 billion AI and semi-chip fund says it will divest from China ifthe US asks (msn.com);Saudi Arabia’s big AI educational leap (msn.com)

عَنْ الموقع

ان www.zoom32.com مِنَصَّة مُسْتَقِلَّة شاملة وحديثة تواكب كل مواضيع المالية والاقتصادية وَكَذَا اعلانات الوظائف,وَتَضَمَّنَ كذلك مجموعة من الخدمات والوسائل التعليمية الادارية الَّتِي تبسط وتشرح الأشياء الَّتِي يحتاجها الباحث عَنْ فرص الاستثمار سَوَاء كَانَت فِي ارض الواقع او عبر الانترنت ، وَتَجْدُرُ الاشارة إِلَى ان هَذِهِ المنصة لَا تمت باي صلة لِاي مؤسسة مالية.
يستفيد سنويا من منصتنا أكثر من 25 مليون زائر وزائرة من جميع الفئات العمرية .
تمَّ الحرص فِي zoom32.com عَلَى 4 توابت اساسية :
ـ جودة المضامين المنشورة وصحتها فِي الموقع
ـ سلاسة تصفح الموقع والتنظيم الجيد مِنْ أَجْلِ الحصول عَلَى المعلومة دون عناء البحث
ـ التحديث المستمر للمضامين المنشورة ومواكبة جديد التطورات الَّتِي تطرأ عَلَى المنظومة التربوية
ـ اضافة ميزات وخدمات تعليمية متجددة
لمدة 3 سنوات قدمنا اكثر من 50000 مقالة وازيد من 200 ألف مِلَفّ مِنْ أَجْلِ تطوير دائم لمنصتنا يتناسب وتطلعاتكم, والقادم أجمل إن شاء الله.
⇐ المنصة من برمجة وتطوير zoom32.com وصيانة DesertiGO
⇐ يمكنك متابعتنا عَلَى وسائل التواصل الاجتماعي ليصلك جديدنا: اضغط هُنَا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *